مختارات من كتاب الأشباه والنظائر
للسيوطي رحمه الله
[الْقَاعِدَةُ الْأُولَى: الْأُمُورُ
بِمَقَاصِدِهَا]
وَقَدْ قِيلَ فِي قَوْله صلى الله عليه
وسلم: «نِيَّةُ الْمُؤْمِنِ خَيْرٌ مِنْ عَمَلِهِ»: أَنَّ الْمُؤْمِن يُخَلَّد فِي
الْجَنَّة وَإِنْ أَطَاعَ اللَّه مُدَّة حَيَاته فَقَطْ ; لِأَنَّ نِيَّته أَنَّهُ
لَوْ بَقِيَ أَبَد الْآبَاد لَاسْتَمَرَّ عَلَى الْإِيمَانِ، فَجُوزِيَ عَلَى
ذَلِكَ بِالْخُلُودِ فِي الْجَنَّة، كَمَا أَنَّ الْكَافِر يُخَلَّد فِي النَّار،
وَإِنْ لَمْ يَعْصِ اللَّه إلَّا مُدَّة حَيَاته فَقَطْ ; لِأَنَّ نِيَّته
الْكُفْر مَا عَاشَ.
***
وَإِنْ شِئْت قُلْت: الْعِبَادَات فِي
التَّعَرُّض لِلْفَرْضِيَّةِ عَلَى أَرْبَعَة أَقْسَام: مَا يُشْتَرَط فِيهِ بِلَا
خِلَاف، وَهُوَ الْكَفَّارَات:
مَا لَا يُشْتَرَط فِيهِ بِلَا خِلَاف،
وَهُوَ الْحَجّ وَالْعُمْرَة وَالْجَمَاعَة.
وَمَا يُشْتَرَط فِيهِ عَلَى
الْأَصَحِّ، وَهُوَ الْغُسْل وَالصَّلَاة وَالزَّكَاة بِلَفْظِ الصَّدَقَة.
وَمَا لَا يَشْتَرِط فِيهِ عَلَى
الْأَصَحّ، وَهُوَ الْوُضُوء وَالصَّوْم وَالزَّكَاة بِلَفْظِهَا وَالْخُطْبَة.
***
(تَذْنِيبٌ):
يُشْبِه ذَلِكَ مَا قِيلَ: هَلْ
يُتَصَوَّر وُقُوع حَجَّتَيْنِ فِي عَام؟
وَقَدْ قَالَ الْإِسْنَوِيُّ: إنَّهُ
مَمْنُوع، وَمَا قِيلَ فِي طَرِيقه مِنْ أَنَّهُ يَدْفَع بَعْد نِصْف اللَّيْل
فَيَرْمِي وَيَحْلِق وَيَطُوف، ثُمَّ يُحْرِم مِنْ مَكَّةَ وَيَعُود قَبْل
الْفَجْر إلَى عَرَفَاتٍ، مَرْدُود بِأَنَّهُمْ قَالُوا: إنَّ الْمُقِيم بِمِنًى
لِلرَّمْيِ لَا تَنْعَقِد عُمْرَته، لِاشْتِغَالِهِ بِالرَّمْيِ، وَالْحَاجّ
بَقِيَ عَلَيْهِ رَمْي أَيَّام مِنًى قَالَ: وَقَدْ صَرَّحَ بِاسْتِحَالَةِ وُقُوع
حَجَّتَيْنِ فِي عَام جَمَاعَة مِنْهُمْ الْمَاوَرْدِيُّ، وَكَذَلِكَ أَبُو
الطَّيِّبِ وَحَكَى فِيهِ الْإِجْمَاع، وَنَصَّ عَلَيْهِ الشَّافِعِيُّ فِي
الْأُمِّ.
***
وَمِنْ صُوَرِ التَّعْلِيقِ فِي
الْحَجِّ: لَوْ أَحْرَمَ يَوْمَ الثَّلَاثِينَ مِنْ رَمَضَانَ، وَهُوَ شَاكّ،
فَقَالَ إنْ كَانَ مِنْ رَمَضَانَ فَإِحْرَامِي بِعُمْرَةٍ، أَوْ مِنْ شَوَّالٍ
فَحَجٌّ فَكَانَ شَوَّالًا، كَانَ حَجًّا صَحِيحًا، نَقَلَهُ فِي شَرْحِ
الْمُهَذَّبِ عَنْ الدَّارِمِيِّ، وَأَقَرَّهُ.
***
وَلَوْ قَرَأَ حَيَوَانٌ آيَةَ
سَجْدَةٍ قَالَ الْإِسْنَوِيُّ: فَكَلَامُ الْأَصْحَابِ مُشْعِرٌ بِعَدَمِ
اسْتِحْبَابِ السُّجُودِ لِقِرَاءَتِهِ، وَلِقِرَاءَةِ النَّائِمِ وَالسَّاهِي
أَيْضًا.
[الْقَاعِدَةُ الثَّانِيَةُ:
الْيَقِينُ لَا يُزَالُ بِالشَّكِّ]
وَمِنْهَا: سُئِلَ النَّوَوِيُّ عَنْ
مُسْلِمٍ لَهُ ابْنٌ مَاتَتْ أُمُّهُ، فَاسْتَرْضَعَ لَهُ يَهُودِيَّةً لَهَا
وَلَدٌ يَهُودِيٌّ ثُمَّ غَابَ الْأَبُ مُدَّةً وَحَضَرَ، وَقَدْ مَاتَتْ
الْيَهُودِيَّةُ فَلَمْ يَعْرِفْ ابْنَهُ مِنْ ابْنِهَا وَلَيْسَ لِلْيَهُودِيَّةِ
مَنْ يَعْرِفُ وَلَدَهَا، وَلَا قَافَةَ هُنَاكَ.
***
وَمِنْهَا: مَسْأَلَةُ الزَّرَافَةِ،
قَالَ السُّبْكِيُّ: الْمُخْتَارُ أَكْلُهَا: لِأَنَّ الْأَصْلَ الْإِبَاحَةُ،
وَلَيْسَ لَهَا نَابٌ كَاسِرٌ، فَلَا تَشْمَلُهَا أَدِلَّةُ التَّحْرِيمِ،
وَأَكْثَرُ الْأَصْحَابِ لَمْ يَتَعَرَّضُوا لَهَا أَصْلًا لَا بِحِلٍّ وَلَا
بِحُرْمَةٍ، وَصُرِّحَ بِحِلِّهَا فِي فَتَاوَى الْقَاضِي الْحُسَيْنِ
وَالْغَزَالِيِّ، وَتَتِمَّةِ الْقَوْلِ وَفُرُوعِ ابْنِ الْقَطَّانِ وَهُوَ
الْمَنْقُولُ عَنْ نَصِّ الْإِمَامِ أَحْمَدَ وَجَزَمَ الشَّيْخُ فِي التَّنْبِيه
بِتَحْرِيمِهَا، وَنَقَلَ فِي شَرْحِ الْمُهَذَّبِ الِاتِّفَاقَ عَلَيْهِ، وَبِهِ
قَالَ أَبُو الْخَطَّابِ مِنْ الْحَنَابِلَةِ وَلَمْ يَذْكُرْهَا أَحَدٌ مِنْ
الْمَالِكِيَّةِ وَالْحَنَفِيَّةِ وَقَوَاعِدُهُمْ تَقْتَضِي حِلِّهَا.
***
وَمِنْهَا: مَا ذَكَرَهُ الشَّيْخُ
أَبُو مُحَمَّدٍ فِي التَّبْصِرَةِ: أَنَّ وَطْءَ السَّرَارِي اللَّائِي
يُجْلَبْنَ الْيَوْمَ مِنْ الرُّومِ وَالْهِنْدِ وَالتُّرْكِ حَرَامٌ، إلَّا أَنْ
يَنْتَصِبَ فِي الْمَغَانِمِ مِنْ جِهَةِ الْإِمَامِ مَنْ يُحْسِنُ قِسْمَتَهَا
فَيَقْسِمهَا مِنْ غَيْرِ حَيْفٍ وَلَا ظُلْمٍ، أَوْ تَحْصُلُ قِسْمَةٌ مِنْ
مُحَكَّمٍ، أَوْ تُزَوَّجَ بَعْدَ الْعِتْقِ بِإِذْنِ الْقَاضِي وَالْمُعْتِقِ،
وَالِاحْتِيَاطُ اجْتِنَابُهُنَّ مَمْلُوكَاتٍ وَحَرَائِرَ.
قَالَ السُّبْكِيُّ فِي
الْحَلَبِيَّاتِ: وَلَا شَكَّ أَنَّ الَّذِي قَالَهُ الْوَرَعُ وَأَمَّا الْحُكْمُ
اللَّازِمُ: فَالْجَارِيَةُ إمَّا أَنْ يُعْلَمَ حَالُهَا أَوْ يُجْهَلَ، فَإِنْ
جُهِلَ فَالرُّجُوعُ فِي ظَاهِر الشَّرْعِ إلَى الْيَدِ، إنْ كَانَتْ صَغِيرَةً
وَإِلَى الْيَدِ وَإِقْرَارِهَا، إنْ كَانَتْ كَبِيرَةً، وَالْيَدُ حُجَّةٌ
شَرْعِيَّةٌ، كَالْإِقْرَارِ، وَإِنْ عُلِمَ فَهِيَ أَنْوَاعٌ:..
إلخ.
***
القاعدة
الثالثة المشقة تجلب التيسير
الْفَائِدَةُ الْخَامِسَةُ: بِمَعْنَى
هَذِهِ الْقَاعِدَة: قَوْلُ الشَّافِعِيِّ رضي الله عنه: (إذَا ضَاقَ الْأَمْرُ
اتَّسَعَ) وَقَدْ أَجَابَ بِهَا فِي ثَلَاثَةِ مَوَاضِعَ:
أَحَدُهَا: فِيمَا إذَا فَقَدَتْ
الْمَرْأَةُ وَلِيَّهَا فِي سَفَرٍ، فَوَلَّتْ أَمْرَهَا رَجُلًا يَجُوزُ. قَالَ
يُونُسُ بْنُ عَبْدِ الْأَعْلَى: قُلْت لَهُ: كَيْفَ هَذَا؟ قَالَ: إذَا ضَاقَ
الْأَمْرُ اتَّسَعَ.
الثَّانِي: فِي أَوَانِي الْخَزَفِ
الْمَعْمُولَةِ بِالسِّرْجِينِ؟ أَيَجُوزُ الْوُضُوءُ مِنْهَا؟ فَقَالَ: إذْ ضَاقَ
الْأَمْرُ اتَّسَعَ حَكَاهُ فِي الْبَحْر.
الثَّالِثُ: حَكَى بَعْضُ شُرَّاحِ
الْمُخْتَصَرِ أَنَّ الشَّافِعِيَّ، سُئِلَ عَنْ الذُّبَابِ يَجْلِس عَلَى غَائِطٍ
ثُمَّ يَقَعُ عَلَى الثَّوْبِ فَقَالَ: إنْ كَانَ فِي طَيَرَانِهِ مَا يَجِفُّ
فِيهِ رِجْلَاهُ وَإِلَّا فَالشَّيْءُ إذَا ضَاقَ اتَّسَعَ.
وَلَهُمْ عَكْس هَذِهِ الْقَاعِدَة:
إذَا اتَّسَعَ الْأَمْرُ ضَاقَ.
قَالَ ابْنُ أَبِي هُرَيْرَةَ فِي
تَعْلِيقِهِ: وَضَعْت الْأَشْيَاءَ فِي الْأُصُولِ عَلَى أَنَّهَا إذَا ضَاقَتْ
اتَّسَعَتْ وَإِذَا اتَّسَعَتْ ضَاقَتْ.
أَلَا تَرَى أَنَّ قَلِيلَ الْعَمَلِ
فِي الصَّلَاةِ لَمَّا اُضْطُرَّ إلَيْهِ سُومِحَ بِهِ وَكَثِيرَهُ لَمَّا لَمْ
يَكُنْ بِهِ حَاجَةٌ لَمْ يُسَامَحْ بِهِ. وَكَذَلِكَ قَلِيلُ الْبَرَاغِيثِ
وَكَثِيرُهُ.
وَجَمَعَ الْغَزَالِيُّ فِي
الْإِحْيَاءِ بَيْن الْقَاعِدَتَيْنِ بِقَوْلِهِ: كُلُّ مَا تَجَاوَزَ عَنْ
حَدِّهِ انْعَكَسَ إلَى ضِدِّهِ.
وَنَظِيرُ هَاتَيْنِ الْقَاعِدَتَيْنِ
فِي التَّعَاكُسِ قَوْلُهُمْ: يُغْتَفَرُ فِي الدَّوَامِ مَا لَا يُغْتَفَرُ فِي
الِابْتِدَاءِ. وَقَوْلُهُمْ: يُغْتَفَرُ فِي الِابْتِدَاءِ مَا لَا يُغْتَفَرُ
فِي الدَّوَامِ وَسَيَأْتِي ذِكْرُ فُرُوعِهَا.
***
[الْقَاعِدَةُ الرَّابِعَةُ:
الضَّرَرُ يُزَالُ]
وَالْخُلْعُ فِي الْحَيْضِ لَا
يَحْرُمُ ; لِأَنَّ إنْقَاذَهَا مِنْهُ مُقَدَّمٌ عَلَى مَفْسَدَةِ تَطْوِيلِ
الْعِدَّةِ عَلَيْهَا، وَلَوْ وَقَعَ فِي نَارٍ تُحْرِقُهُ، وَلَمْ يُخَلَّصْ
إلَّا بِمَاءٍ يُغْرِقُهُ ; وَرَآهُ أَهْوَنَ عَلَيْهِ مِنْ الصَّبْرِ عَلَى
لَفَحَاتِ النَّارِ، فَلَهُ الِانْتِقَالُ إلَيْهِ فِي الْأَصَحِّ.
وَلَوْ وَجَدَ الْمُضْطَرُّ مَيْتَةً
وَطَعَامَ غَائِبٍ فَالْأَصَحُّ أَنَّهُ يَأْكُلُ الْمَيْتَة لِأَنَّهَا مُبَاحَةٌ
بِالنَّصِّ وَطَعَامُ الْغَيْرِ بِالِاجْتِهَادِ.
أَوْ الْمُحْرِمُ مَيْتَةً وَصَيْدًا:
فَالْأَصَحُّ كَذَلِكَ. لِأَنَّهُ يَرْتَكِبُ فِي الصَّيْدِ مَحْظُورَيْنِ:
الْقَتْلَ وَالْأَكْلَ.
***
الْحَاجَةُ تَنْزِلُ مَنْزِلَةَ
الضَّرُورَةِ عَامَّةً كَانَتْ أَوْ خَاصَّةً مِنْ الْأَوْلَى: مَشْرُوعِيَّةُ
الْإِجَارَةِ، وَالْجَعَالَةِ، وَالْحَوَالَةِ، وَنَحْوِهَا، جُوِّزَتْ عَلَى
خِلَافِ الْقِيَاسِ لِمَا فِي الْأُولَى مِنْ وُرُودِ الْعَقْدِ عَلَى مَنَافِعَ
مَعْدُومَةِ، وَفِي الثَّانِيَةِ مِنْ الْجَهَالَةِ، وَفِي الثَّالِثَةِ مِنْ
بَيْعِ الدَّيْنِ بِالدَّيْنِ لِعُمُومِ الْحَاجَةِ إلَى ذَلِكَ، وَالْحَاجَةُ
إذَا عَمَّتْ كَانَتْ كَالضَّرُورَةِ.
***
الكتاب
الثاني:
وَلَوْ ضَاقَ الْوَقْتُ أَوْ الْمَاءُ
عَنْ سُنَنِ الطَّهَارَة: حُرِّمَ فِعْلُهَا.
***
وَخَرَجَ عَنْ هَذِهِ الْقَاعِدَة
صُوَرٌ:
مِنْهَا: اخْتِلَاطُ مَوْتَى
الْمُسْلِمِينَ بِالْكُفَّارِ، أَوْ الشُّهَدَاءِ بِغَيْرِهِمْ. يُوجِبُ غَسْلَ الْجَمِيع
وَالصَّلَاةِ وَإِنْ كَانَ الصَّلَاةُ عَلَى الْكُفَّارِ وَالشُّهَدَاءِ حَرَامًا.
وَاحْتَجَّ لَهُ الْبَيْهَقِيُّ: بِأَنَّ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم «مَرَّ
بِمَجْلِسٍ، فِيهِ أَخْلَاطٌ مِنْ الْمُسْلِمِينَ وَالْمُشْرِكِينَ، فَسَلَّمَ
عَلَيْهِمْ.»
وَمِنْهَا: يُحَرَّمُ عَلَى الْمَرْأَة
سَتْرُ جُزْءٍ مِنْ وَجْههَا فِي الْإِحْرَامِ، وَيَجِبُ سَتْرُ جُزْءٍ مِنْهُ
مَعَ الرَّأْسِ لِلصَّلَاةِ، فَتَجِبُ مُرَاعَاةُ الصَّلَاةِ.
وَمِنْهَا: الْهِجْرَةُ عَلَى
الْمَرْأَةِ مِنْ بِلَادِ الْكُفْرِ وَاجِبَةٌ. وَإِنْ كَانَ سَفَرُهَا وَحْدَهَا
حَرَامًا.
***
وَمِنْ فُرُوعِ ذَلِكَ أَنَّهُ إذَا
قَسَّمَ الزَّكَاةَ عَلَى الْأَصْنَافِ يُحَرَّمُ عَلَيْهِ التَّفْضِيلُ، مَعَ
تَسَاوِي الْحَاجَاتِ. وَمِنْهَا: إذَا أَرَادَ إسْقَاطَ بَعْضِ الْجُنْدِ مِنْ
الدِّيوَان بِسَبَبٍ: جَازَ، وَبِغَيْرِ سَبَبٍ لَا يَجُوزُ حَكَاهُ فِي
الرَّوْضَةِ.
وَمِنْهَا: مَا ذَكَرَهُ
الْمَاوَرْدِيُّ أَنَّهُ لَا يَجُوزُ لِأَحَدٍ مِنْ وُلَاةِ الْأُمُورِ أَنْ
يُنَصِّبَ إمَامًا لِلصَّلَاةِ فَاسِقًا، وَإِنْ صَحَّحْنَا الصَّلَاةَ خَلْفَهُ ;
لِأَنَّهَا مَكْرُوهَةٌ. وَوَلِيُّ الْأَمْرِ مَأْمُورٌ بِمُرَاعَاةِ
الْمَصْلَحَةِ، وَلَا مَصْلَحَةَ فِي حَمْلِ النَّاس عَلَى فِعْل الْمَكْرُوهِ.
وَمِنْهَا: أَنَّهُ إذَا تُخَيِّرَ فِي
الْأَسْرَى بَيْن الْقَتْل، وَالرِّقِّ، وَالْمَنّ وَالْفِدَاءِ، لَمْ يَكُنْ لَهُ
ذَلِكَ بِالتَّشَهِّي بَلْ بِالْمَصْلَحَةِ. حَتَّى إذَا لَمْ يَظْهَرْ وَجْهُ
الْمَصْلَحَةِ يَحْبِسُهُمْ إلَى أَنْ يَظْهَرَ.
***
وَلَوْ طَاوَعَتْهُ حُرَّةٌ عَلَى
الزِّنَا ; فَلَا مَهْرَ لَهَا بِالْإِجْمَاعِ.
***
وَلَوْ وَطِئَ فِي نَهَارِ رَمَضَانَ
مَرَّتَيْنِ، لَمْ تَلْزَمْهُ بِالثَّانِي كَفَّارَةٌ ; لِأَنَّهُ لَمْ يُصَادِفْ
صَوْمًا. بِخِلَافِ مَا لَوْ وَطِئَ فِي الْإِحْرَامِ ثَانِيًا، فَإِنَّ عَلَيْهِ
شَاةً. وَلَا تَدْخُلُ فِي الْكَفَّارَةِ لِمُصَادَفَتِهِ إحْرَامًا لَمْ يَحِلَّ
مِنْهُ.
***
وَلَوْ قَتَلَ الْمُحْرِمُ صَيْدًا فِي
الْحَرَمِ لَزِمَهُ جَزَاءٌ وَاحِدٌ، وَتَدَاخَلَتْ الْحُرْمَتَانِ فِي حَقِّهِ
لِأَنَّهُمَا مِنْ جِنْسٍ وَاحِدٍ، كَالْقَارِنِ إذَا قَتَلَ صَيْدًا، لَزِمَهُ
جَزَاءٌ وَاحِدٌ، وَإِنْ كَانَ قَدْ هَتَكَ بِهِ حُرْمَةَ الْحَجِّ وَالْعُمْرَةِ.
***
وَلَوْ قَطَعَ الْأَجْفَانَ
وَعَلَيْهَا أَهْدَابٌ، دَخَلَتْ حُكُومَتُهَا فِي دِيَتِهَا، وَكَذَا تَدْخُلُ
حُكُومَةُ الشَّعْرِ فِي دِيَة الْمُوضِحَةِ، وَالشَّارِبِ فِي دِيَةِ الشَّفَةِ.
وَالْأَظْفَارِ وَالْكَفِّ فِي دِيَة الْأَصَابِع، وَالسِّنْخِ فِي دِيَة السِّنّ وَالذَّكَرِ
فِي دِيَةِ الْحَشَفَةِ، وَالثَّدْيِ فِي دِيَةِ الْحَلَمَةِ، عَلَى الْأَصَحِّ
فِي الْكُلِّ.
وَكَذَا حُكُومَةُ قَصَبَةِ الْأَنْفِ
فِي دِيَةِ الْمَارِنِ، عَلَى مَا قَالَهُ الْإِمَامُ إنَّهُ الظَّاهِرُ
وَصَحَّحَهُ فِي أَصْلِ الرَّوْضَةِ. وَقَالَ فِي الْمُهِمَّاتِ: الْفَتْوَى عَلَى
خِلَافِهِ.
وَلَا يَدْخُلُ أَرْشُ الْجُرْحِ فِي
دِيَةِ الْعَقْلِ، وَلَا الْأَسْنَانِ فِي اللَّحْيَيْنِ وَلَا الْمُوضِحَةِ فِي
الْأُذُنَيْنِ، وَلَا حُكُومَةُ جَرْحِ الصَّدْرِ فِي دِيَةِ الثَّدْيِ، وَلَا
الْعَانَةِ فِي دِيَةِ الذَّكَرِ وَالشُّفْرَيْنِ لِاخْتِلَافِ مَحَلِّ
الْجِنَايَةِ فِيهَا.
***
قَالَ الْبُلْقِينِيُّ: وَنَظِيرُهُ (الْمَسْحُ
عَلَى خُفٍّ مَغْصُوبٍ) : غَسْلُ الرِّجْلِ الْمَغْصُوبَةِ فِي الْوُضُوءِ.
وَصُورَتُهُ: أَنْ يَجِبَ عَلَيْهِ التَّمْكِينُ مِنْ قَطْعِهَا فِي قِصَاصٍ أَوْ
سَرِقَةٍ، فَلَا يُمَكَّنُ مِنْ ذَلِكَ وَلَوْ لَبِسَ خُفًّا مِنْ ذَهَبٍ أَوْ
فِضَّةٍ، فَفِيهِ الْوَجْهَانِ فِي الْمَغْصُوب.
***
وَمِنْهَا: مَحَلّ الِاسْتِجْمَارِ
مَعْفُوٌّ عَنْهُ، فَلَوْ عَرِقَ فَتَلَوَّثَ مِنْهُ. فَالْأَصَحُّ الْعَفْوُ.
***
[الْقَاعِدَةُ السَّادِسَةَ
عَشْرَةَ: الرِّضَا بِالشَّيْءِ رِضًا بِمَا يَتَوَلَّدُ مِنْهُ] ُ " وَقَرِيب مِنْهَا
الْقَاعِدَةُ " الْمُتَوَلَّدُ مِنْ مَأْذُونٍ فِيهِ لَا أَثَرَ لَهُ "
وَيُسْتَثْنَى مِنْ الْقَاعِدَة مَا
كَانَ مَشْرُوطًا بِسَلَامَةِ الْعَاقِبَةِ، كَضَرْبِ الْمُعَلِّمِ، وَالزَّوْجِ،
وَالْوَلِيِّ، وَتَعْزِيرِ الْحَاكِم وَإِخْرَاجِ الْجَنَاحِ، وَنَحْوِ ذَلِكَ.
***
[الْقَاعِدَةُ التَّاسِعَة عَشْرَة:
مَا كَانَ أَكْثَرَ فِعْلًا كَانَ أَكْثَرَ فَضْلًا]
وَخَرَجَ عَنْ ذَلِكَ الصُّوَرُ:
الضُّحَى أَفْضَلُهَا ثَمَانٍ،
وَأَكْثَرُهَا: اثْنَتَا عَشْرَ. وَالْأَوَّلُ أَفْضَلُ، تَأَسِّيًا بِفِعْلِهِ.
صلى الله عليه وسلم.
قِرَاءَةُ سُورَةٍ قَصِيرَةٍ فِي
الصَّلَاةِ أَفْضَلُ مِنْ بَعْضِ سُورَةٍ، وَإِنْ طَالَ، كَمَا قَالَهُ
الْمُتَوَلِّي ; لِأَنَّهُ الْمَعْهُودُ مِنْ فِعْلِهِ صلى الله عليه وسلم
غَالِبًا.
***
وَقَالَ الشَّافِعِيُّ: طَلَبُ
الْعِلْمِ، أَفْضَلُ مِنْ صَلَاةِ النَّافِلَة.
***
وَمِنْهَا: الْخِتَانُ، لَوْ لَمْ
يَجِبْ لَكَانَ حَرَامًا لِمَا فِيهِ مِنْ قَطْعِ عُضْوٍ وَكَشْفِ الْعَوْرَةِ،
وَالنَّظَرِ إلَيْهَا.
***
وَاعْلَمْ أَنَّ إيرَادَ الْعَقْدِ
عَلَى الْعَقْدِ ضَرْبَانِ.. إلخ.
***
الكتاب
الثالث: القواعد المختلف فيها (عشرون قاعدة)
[الْقَاعِدَةُ الثَّالِثَةَ
عَشْرَةَ: فَرْضُ الْكِفَايَةِ هَلْ يَتَعَيَّنُ بِالشُّرُوعِ أَوْ لَا]
وَمِنْهَا: الْعِلْمُ، فَمَنْ
اشْتَغَلَ بِهِ وَحَصَّلَ مِنْهُ طَرَفًا وَآنَسَ مِنْهُ الْأَهْلِيَّةَ، هَلْ
يَجُوز لَهُ تَرْكُهُ أَوْ يَجِبُ عَلَيْهِ الِاسْتِمْرَارُ؟ وَجْهَانِ.
الْأَصَحُّ: الْأَوَّلُ. وَوُجِّهَ بِأَنَّ كُلَّ مَسْأَلَةٍ مُسْتَقِلَّةٍ
بِرَأْسِهَا مُنْقَطِعَةٍ عَنْ غَيْرِهَا.
***
الكتاب
الرابع
اعْلَمْ أَنَّ قَاعِدَةُ الْفِقْهِ:
أَنَّ النِّسْيَانَ وَالْجَهْلَ، مُسْقِطٌ لِلْإِثْمِ مُطْلَقًا
وَأَمَّا الْحُكْمُ: فَإِنْ وَقَعَا
فِي تَرْكِ مَأْمُورٍ لَمْ يَسْقُطْ. بَلْ يَجِبُ تَدَارُكُهُ. وَلَا يَحْصُلُ الثَّوَابُ
لِمُتَرَتِّبٍ عَلَيْهِ لِعَدَمِ الِائْتِمَارِ، أَوْ فِعْلٍ مَنْهِيٍّ، لَيْسَ
مِنْ بَابِ الْإِتْلَافِ فَلَا شَيْءَ فِيهِ، أَوْ فِيهِ إتْلَافٌ لَمْ يَسْقُطْ
الضَّمَانُ. فَإِنْ كَانَ يُوجِبُ عُقُوبَةً كَانَ شُبْهَةً فِي إسْقَاطِهَا.
***
وَمِنْهَا: لَوْ سَلَّمَ عَنْ
رَكْعَتَيْنِ نَاسِيًا، وَتَكَلَّمَ عَامِدًا " لِظَنِّهِ إكْمَالَ
الصَّلَاةِ " لَا تَبْطُلُ صَلَاتُهُ لِظَنِّهِ أَنَّهُ لَيْسَ فِي صَلَاةٍ.
وَنَظِيرُهُ: مَا لَوْ تَحَلَّلَ مِنْ
الْإِحْرَامِ وَجَامَعَ، ثُمَّ بَانَ أَنَّهُ لَمْ يَتَحَلَّلْ، لِكَوْنِ رَمْيِهِ
وَقَعَ قَبْلَ نِصْفِ اللَّيْلِ وَالْمَذْهَبُ: أَنَّهُ لَا يَفْسُدُ حَجُّهُ.
وَمِنْ نَظَائِرِهِ أَيْضًا: لَوْ
أَكَلَ نَاسِيًا، فَظَنَّ بُطْلَانَ صَوْمِهِ، فَجَامَعَ، فَفِي وَجْهٍ: لَا
يُفْطِرُ قِيَاسًا عَلَيْهِ.
وَالْأَصَحُّ: الْفِطْرُ ; كَمَا لَوْ
جَامَعَ عَلَى ظَنِّ أَنَّ الصُّبْحَ لَمْ يَطْلُعْ، فَبَانَ خِلَافُهُ، وَلَكِنْ
لَا تَجِبُ الْكَفَّارَةُ ; لِأَنَّهُ وَطِئَ وَهُوَ يَعْتَقِدُ أَنَّهُ غَيْرُ
صَائِمٍ.
وَنَظِيرُهُ أَيْضًا: لَوْ ظَنَّ
طَلَاقَ زَوْجَتِهِ بِمَا وَقَعَ مِنْهُ فَأَشْهَدَ عَلَيْهِ بِطَلَاقِهَا.
***
لَوْ قَدَّمَ لَهُ الْغَاصِبُ
الْمَغْصُوبَ مِنْهُ، فَأَكَلَهُ ضِيَافَةً جَاهِلًا، بَرِئَ الْغَاصِبُ فِي
الْأَظْهَرِ.
***
[قَاعِدَةٌ: كُلُّ مَنْ عَلِمَ
تَحْرِيمَ شَيْءٍ وَجَهِلَ مَا يَتَرَتَّبُ عَلَيْهِ] لَمْ يَفِدْهُ ذَلِكَ كَمَنْ عَلِمَ
تَحْرِيمَ الزِّنَا، وَالْخَمْرِ، وَجَهِلَ وُجُوبَ الْحَدِّ. يُحَدُّ
بِالِاتِّفَاقِ ; لِأَنَّهُ كَانَ حَقُّهُ الِامْتِنَاعَ. وَكَذَا لَوْ عَلِمَ
تَحْرِيمَ الْقَتْلِ، وَجَهِلَ وُجُوبَ الْقِصَاصِ: يَجِبُ الْقِصَاصُ.
أَوْ عَلِمَ تَحْرِيمَ الْكَلَامِ،
وَجَهِلَ كَوْنَهُ مُبْطَلًا: يَبْطُلُ. وَتَحْرِيمَ الطِّيبِ، وَجَهِلَ وُجُوبَ
الْفِدْيَةِ: تَجِبُ.
***
ضابط ما يحصل به الإكراه: السَّابِعُ:
وَهُوَ اخْتِيَارُ النَّوَوِيِّ فِي الرَّوْضَةِ -: أَنَّهُ يَحْصُلُ بِكُلِّ مَا
يُؤْثِرُ الْعَاقِلُ الْإِقْدَامَ عَلَيْهِ، حَذَرًا مَا هُدِّدَ بِهِ وَذَاكَ
يَخْتَلِفُ بِاخْتِلَافِ الْأَشْخَاصِ، وَالْأَفْعَالِ الْمَطْلُوبَةِ،
وَالْأُمُورِ الْمَخُوفِ بِهَا فَقَدْ يَكُونُ الشَّيْءُ إكْرَاهًا فِي شَيْءٍ
دُونَ غَيْرِهِ، وَفِي حَقِّ شَخْصٍ دُونَ آخَرَ.
***
[أَمْرُ السُّلْطَانِ هَلْ يَكُونُ
إكْرَاهًا]
؟ اُخْتُلِفَ فِي أَمْرِ السُّلْطَانِ،
هَلْ يَنْزِلُ مَنْزِلَةَ الْإِكْرَاهِ؟ عَلَى وَجْهَيْنِ، أَوْ قَوْلَيْنِ:
أَحَدُهُمَا: لَا، وَإِنَّمَا
الْإِكْرَاهُ بِالتَّهْدِيدِ صَرِيحًا، كَغَيْرِ السُّلْطَانِ.
وَالثَّانِي: نَعَمْ، لِعِلَّتَيْنِ:
إحْدَاهُمَا: أَنَّ الْغَالِبَ مِنْ حَالِهِ السَّطْوَةُ عِنْدَ الْمُخَالَفَةِ.
وَالثَّانِي: أَنَّ طَاعَتَهُ
وَاجِبَةٌ فِي الْجُمْلَةِ، فَيَنْتَهِضُ ذَلِكَ شُبْهَةً.
قَالَ الرَّافِعِيُّ: وَمُقْتَضَى مَا
ذَكَرَهُ الْجُمْهُورُ صَرِيحًا وَدَلَالَةً: أَنَّهُ لَا يُنَزَّلُ مَنْزِلَةَ
الْإِكْرَاهِ.
قَالَ: وَمِثْلُ السُّلْطَانِ فِي
إجْرَاءِ الْخِلَافِ: الزَّعِيمُ، وَالْمُتَغَلِّبُ ; لِأَنَّ الْمَدَارَ عَلَى
خَوْفِ الْمَحْذُورِ مِنْ مُخَالَفَتِهِ.
***
التَّاسِعَ عَشَرَ: لَا يَنْقَطِعُ
خِيَارُ الْمَجْلِس بِالْجُنُونِ وَالْإِغْمَاءِ عَلَى الصَّحِيحِ. وَلَمْ أَرَ
مَنْ تَعَرَّضَ لِلنَّوْمِ.
***
[فَرْعٌ: يُسَنُّ إيقَاظُ النَّائِمِ
لِلصَّلَاةِ]
فَرْعٌ قَالَ النَّوَوِيُّ فِي شَرْحِ
الْمُهَذَّبِ: يُسَنُّ إيقَاظُ النَّائِمِ لِلصَّلَاةِ، لَا سِيَّمَا إنْ ضَاقَ
وَقْتُهَا. وَقَالَ السُّبْكِيُّ فِي كِتَابِهِ الْمُتَقَدِّمِ ذِكْرُهُ: إذَا
دَخَلَ عَلَى الْمُكَلَّفِ وَقْتُ الصَّلَاةِ وَتَمَكَّنَ مِنْ فِعْلِهَا
وَأَرَادَ أَنْ يَنَامَ قَبْلَ فِعْلِهَا، فَإِنْ وَثِقَ مِنْ نَفْسِهِ أَنَّهُ
يَسْتَيْقِظُ قَبْلَ خُرُوجِ الْوَقْتِ بِمَا يُمَكِّنهُ أَنْ يُصَلِّيَ فِيهِ
جَازَ، وَإِلَّا لَمْ يَجُزْ، وَكَذَا لَوْ لَمْ يَتَمَكَّنْ وَلَكِنْ بِمُجَرَّدِ
دُخُولِ الْوَقْتِ قَصْدَ أَنْ يَنَامَ، فَإِنْ نَامَ حَيْثُ لَمْ يَثِقْ مِنْ
نَفْسِهِ بِالِاسْتِيقَاظِ أَثِمَ إثْمَيْنِ ; أَحَدُهُمَا إثْمُ تَرْكِ
الصَّلَاةِ، وَالثَّانِي إثْمُ التَّسَبُّبِ إلَيْهِ، وَهُوَ مَعْنَى قَوْلِنَا:
يَأْثَمُ بِالنَّوْمِ.
وَإِنْ اسْتَيْقَظَ عَلَى خِلَافِ
ظَنِّهِ ; وَصَلَّى فِي الْوَقْتِ لَمْ يَحْصُلْ لَهُ إثْمُ تَرْكِ الصَّلَاةِ
وَأَمَّا ذَلِكَ الْإِثْمُ الَّذِي حَصَلَ، فَلَا يَرْتَفِعُ إلَّا
بِالِاسْتِغْفَارِ.
وَلَوْ أَرَادَ أَنْ يَنَامَ قَبْلَ
الْوَقْتِ وَغَلَبَ عَلَى ظَنِّهِ أَنَّ نَوْمَهُ يَسْتَغْرِقُ الْوَقْتَ، لَمْ
يَمْتَنِعْ عَلَيْهِ ذَلِكَ ; لِأَنَّ التَّكْلِيفَ لَمْ يَتَعَلَّقْ بِهِ بَعْدُ،
وَيَشْهَدُ لَهُ مَا وَرَدَ فِي الْحَدِيثِ «أَنَّ امْرَأَةً عَابَتْ زَوْجَهَا
بِأَنَّهُ يَنَامُ حَتَّى تَطْلُعَ الشَّمْسُ، فَلَا يُصَلِّي الصُّبْحَ إلَّا
ذَلِكَ الْوَقْتَ فَقَالَ: إنَّا أَهْلُ بَيْتٍ مَعْرُوفٌ لَنَا ذَلِكَ - أَيْ
يَنَامُونَ مِنْ اللَّيْلِ حَتَّى تَطْلُعَ الشَّمْسُ - فَقَالَ النَّبِيُّ صلى
الله عليه وسلم: إذَا اسْتَيْقَظْت فَصَلِّ» .
وَأَمَّا إيقَاظُ النَّائِمِ الَّذِي
لَمْ يُصَلِّ، فَالْأَوَّلُ - وَهُوَ الَّذِي نَامَ بَعْدَ الْوُجُوبِ - يَجِبُ
إيقَاظُهُ مِنْ بَابِ النَّهْي عَنْ الْمُنْكَرِ.
وَأَمَّا الَّذِي نَامَ قَبْلَ
الْوَقْتِ فَلَا ; لِأَنَّ التَّكْلِيفَ لَمْ يَتَعَلَّقْ بِهِ، لَكِنْ إذَا لَمْ
يُخْشَ عَلَيْهِ ضَرَرٌ فَالْأَوْلَى إيقَاظُهُ ; لِيَنَالَ الصَّلَاةَ فِي
الْوَقْتِ انْتَهَى مُلَخَّصًا.
***
[الْقَوْلُ فِي أَحْكَامِ
الصَّبِيِّ]السَّابِعُ: فِي مَنْعِهِ مِنْ لُبْسِ الْحَرِيرِ: وَجْهَانِ
أَصَحُّهُمَا: لَا يُمْنَعُ.
***
ضَابِطٌ:
حَاصِلُ الْمَوَاضِعِ الَّتِي يُقْبَلُ
فِيهَا خَبَرُ الْمُمَيِّزِ: الْإِذْنُ فِي دُخُولِ الدَّارِ، وَإِيصَالِ
الْهَدِيَّةِ، وَإِخْبَارِهِ بِطَلَبِ صَاحِبِ الدَّعْوَةِ، وَاخْتِيَارِهِ أَحَدَ
أَبَوَيْهِ فِي الْحَضَانَةِ، وَدَعْوَاهُ: اسْتِعْجَالَ الْإِنْبَاتِ
بِالدَّوَاءِ، وَشِرَاؤُهُ الْمُحَقَّرَاتِ، نَقَلَ ابْنُ الْجَوْزِيِّ
الْإِجْمَاعَ عَلَيْهِ.
***
[الْقَوْلُ فِي أَحْكَامِ الْأُنْثَى
وَمَا تُخَالِفُ فِيهِ الذَّكَرَ] وَلَا تَأْخُذُ مِنْ سَهْمِ
الْعَامِلِينَ، وَلَا سَبِيلِ اللَّهِ، وَلَا الْمُؤَلَّفَةِ فِي وَجْهٍ.
***
وَيُنْدَب لَهَا عَنْدَ الْإِحْرَامِ:
خَضْبُ يَدَيْهَا، وَوَجْهِهَا.
***
وَيُحَرَّمُ عَلَيْهَا وَلَدُهَا مِنْ
زِنًا، بِخِلَافِ الرَّجُلِ.
وَيَحِلُّ لَهَا نِكَاحُ الرَّقِيقِ
مُطْلَقًا. وَبُضْعُهَا يُقَابَلُ بِالْمَهْرِ، دُونَ الرَّجُلِ.
***
وَمِنْهَا: الْمَرْأَةُ فِي
الْعَوْرَةِ. لَهَا أَحْوَالٌ: حَالَةٌ مَعَ الزَّوْجِ، وَلَا عَوْرَةَ
بَيْنَهُمَا، وَفِي الْفَرْجِ وَجْهٌ. وَحَالَةٌ مَعَ الْأَجَانِبِ،
وَعَوْرَتُهَا: كُلُّ الْبَدَنِ، حَتَّى الْوَجْهِ وَالْكَفَّيْنِ فِي الْأَصَحِّ.
***
الأعمى:
وَلَا يَكُونُ
مَحْرَمًا فِي الْمُسَافَرَةِ بِقَرِيبَتِهِ ; ذَكَرَهُ الْعَبَّادِيُّ فِي
الزِّيَادَاتِ.
وَهَلْ لَهُ حَضَانَةٌ؟
***
هَلْ يَجُوزُ لِلْإِنْسِيِّ نِكَاحَ
الْجِنِّيَّةِ
فَإِنْ قُلْت: مَا عَنْدك مِنْ ذَلِكَ.
قُلْت: الَّذِي أَعْتَقِدُهُ التَّحْرِيمَ، لِوُجُوهٍ
وَقَالَ الْجَمَّالُ السِّجِسْتَانِيُّ
مِنْ الْحَنَفِيَّةِ. فِي كِتَابِ " مُنْيَةِ الْمُفْتِي عَنْ الْفَتَاوَى
السِّرَاجِيَّةِ " لَا يَجُوز الْمُنَاكَحَةُ بَيْن الْإِنْسِ وَالْجِنِّ،
وَإِنْسَانِ الْمَاءِ لِاخْتِلَافِ الْجِنْسِ.
وَمِنْهَا: أَنَّ النِّكَاحَ شُرِعَ
لِلْأُلْفَةِ، وَالسُّكُونِ، وَالِاسْتِئْنَاسِ، وَالْمَوَدَّةِ، وَذَلِكَ
مَفْقُودٌ فِي الْجِنِّ، بَلْ الْمَوْجُودُ فِيهِمْ ضِدُّ ذَلِكَ، وَهُوَ
الْعَدَاوَةُ الَّتِي لَا تَزُولُ.
الْخَامِس: إذَا مَرَّ الْجِنِّيُّ
بَيْن يَدَيْ الْمُصَلِّي، فَهَلْ يَقْطَعُ صَلَاتَهُ؟ فِيهِ رِوَايَتَانِ، عَنْ
أَحْمَدَ. قُلْت أَمَّا مَذْهَبُنَا: فَالصَّلَاةُ لَا يَقْطَعُهَا مُرُورُ شَيْءٍ
لَكِنْ يُقَاتَلُ، كَمَا يُقَاتَلُ الْإِنْسُ.
السَّادِسُ: قَالَ ابْنُ تَيْمِيَّةَ: لَا يَجُوزُ
قَتْلُ الْجِنِّيِّ بِغَيْرِ حَقٍّ، كَمَا لَا يَجُوزُ قَتْلُ الْإِنْسِيِّ
بِغَيْرِ حَقٍّ وَالظُّلْمُ مُحَرَّمٌ فِي كُلِّ حَالٍ. فَلَا يَحِلّ لِأَحَدٍ
أَنْ يَظْلِمَ أَحَدًا، وَلَوْ كَانَ كَافِرًا، وَالْجِنُّ يَتَصَوَّرُونَ فِي
صُوَرٍ شَتَّى، فَإِذَا كَانَتْ حَيَّاتُ الْبُيُوتِ قَدْ تَكُون جِنِّيًّا
فَيُؤْذَنُ ثَلَاثًا، كَمَا فِي الْحَدِيثِ، فَإِنْ ذَهَبَتْ فَبِهَا، وَإِلَّا
قُتِلَتْ، فَإِنَّهَا إنْ كَانَتْ حَيَّةٌ أَصْلِيَّةٌ قُتِلَتْ، وَإِنْ كَانَتْ
جِنِّيَّةٌ، فَقَدْ أَصَرَّتْ عَلَى الْعُدْوَان بِظُهُورِهَا لَلْإِنْسِ فِي
صُورَةِ حَيَّةٍ تُفْزِعُهُمْ بِذَلِكَ، وَالْعَادِي: هُوَ الصَّائِلُ الَّذِي
يَجُوزُ دَفْعُهُ بِمَا يُدْفَعُ ضَرَرُهُ: وَلَوْ كَانَ قَتْلًا. اهـ.
***
وَأَمَّا أَصْلُ الْوَقْفِ، فَإِنَّهُ
لَازِمٌ مِنْ الْوَاقِفِ، وَمِنْ الْمَوْقُوفِ عَلَيْهِ أَيْضًا، إذَا قَبِلَ.
حَيْثُ شَرَطْنَا الْقَبُولَ، فَلَوْ رَدَّ بَعْدَ الْقَبُولِ. لَمْ يَسْقُطْ
حَقُّهُ، وَلَمْ يَبْطُلْ الْوَقْفُ.
***
[قَاعِدَةٌ: يُغْتَفَرُ فِي
الْفُسُوخِ مَا لَا يُغْتَفَرُ فِي الْعُقُودِ]
وَمِنْ ثَمَّ لَمْ يَحْتَجْ إلَى
قَبُولٍ، وَقَبِلْت الْفُسُوخِ: التَّعْلِيقَاتِ، دُونَ الْعُقُودِ. وَلَمْ
يَصِحَّ تَعْلِيقُ اخْتِيَارِ مَنْ أَسْلَمَ عَلَى أَكْثَر مِنْ أَرْبَعٍ لِأَنَّهُ
فِي مَعْنَى الْعَقْدِ وَلَا فَسْخُهُ ; لِأَنَّهُ يَتَضَمَّنُ اخْتِيَارَ
الْبَاقِي وَجَازَ تَوْكِيلُ الْكَافِرِ فِي طَلَاقِ الْمُسْلِمَةِ، لَا فِي
نِكَاحِهَا.
***
وَقَالَ ابْنُ عَبْدِ السَّلَامِ:
أَمَّا الِاعْتِمَادُ عَلَى كُتُبِ الْفِقْهِ الصَّحِيحَةِ الْمَوْثُوقِ بِهَا،
فَقَدْ اتَّفَقَ الْعُلَمَاءُ فِي هَذَا الْعَصْرِ عَلَى جَوَازِ الِاعْتِمَادِ
عَلَيْهَا وَالِاسْتِنَادِ إلَيْهَا ; لِأَنَّ الثِّقَةَ قَدْ حَصَلَتْ بِهَا
كَمَا تَحْصُلُ بِالرِّوَايَةِ، وَلِذَلِكَ اعْتَمَدَ النَّاسُ عَلَى الْكُتُبِ
الْمَشْهُورَةِ فِي النَّحْوِ، وَاللُّغَةِ، وَالطِّبِّ وَسَائِرِ الْعُلُومِ
لِحُصُولِ الثِّقَةِ بِهَا وَبُعْدِ التَّدْلِيسِ.
وَمَنْ اعْتَقَدَ أَنَّ النَّاسَ قَدْ
اتَّفَقُوا عَلَى الْخَطَإِ فِي ذَلِكَ، فَهُوَ أَوْلَى بِالْخَطَأِ مِنْهُمْ:
وَلَوْلَا جَوَازُ الِاعْتِمَادِ عَلَى ذَلِكَ لَتَعَطَّلَ كَثِيرٌ مِنْ
الْمَصَالِحِ الْمُتَعَلِّقَةِ بِهَا وَقَدْ رَجَعَ الشَّارِعُ إلَى قَوْلِ
الْأَطِبَّاءِ فِي صُوَرٍ. وَلَيْسَتْ كُتُبُهُمْ مَأْخُوذَةً فِي الْأَصْلِ إلَّا
عَنْ قَوْمٍ كُفَّارٍ. وَلَكِنْ لَمَّا بَعُدَ التَّدْلِيسُ فِيهَا اُعْتُمِدَ
عَلَيْهَا، كَمَا اُعْتُمِدَ فِي اللُّغَةِ عَلَى أَشْعَارِ الْعَرَبِ وَهُمْ
كُفَّارٌ لِبُعْدِ التَّدْلِيسِ، انْتَهَى.
***
وَقَدْ يُمْلَكُ الِانْتِفَاعُ دُونَ
الْمَنْفَعَةِ كَالْمُسْتَعِيرِ. وَالْعَبْدِ الَّذِي أُوصِيَ بِمَنْفَعَتِهِ
مُدَّةَ حَيَاةِ الْمُوصَى لَهُ. وَكَالْمُوصَى بِخِدْمَتِهِ وَسُكْنَاهَا.
فَإِنَّ ذَلِكَ إبَاحَةٌ لَهُ، لَا
تَمْلِيكٌ وَكَذَا الْمَوْقُوفُ عَلَى غَيْرِ مُعَيَّنٍ كَالرُّبُطِ وَالطَّعَامِ
الْمُقَدَّمِ لِلضَّيْفِ وَكُلُّ مَنْ مَلَكَ الْمَنْفَعَةَ، فَلَهُ الْإِجَارَةُ،
وَالْإِعَارَةُ. وَمَنْ مَلَكَ الِانْتِفَاعَ، فَلَيْسَ لَهُ الْإِجَارَةُ
قَطْعًا، وَلَا الْإِعَارَةُ فِي الْأَصَحِّ.
***
وَمِنْهَا: لَوْ اجْتَمَعَ فِي
الْإِمَامَةِ الْأَفْقَهُ، وَالْأَقْرَأُ، وَالْأَوْرَعُ الْأَصَحُّ: تَقْدِيمُ
الْأَفْقَهِ عَلَيْهِمَا، لِاحْتِيَاجِ الصَّلَاةِ إلَى مَزِيدِ الْفِقْهِ،
لِكَثْرَةِ عَوَارِضِهَا، وَقِيلَ: بِالتَّسَاوِي لِتَعَادُلِ الْفَضِيلَتَيْنِ،
وَلَوْ اجْتَمَعَ السِّنُّ وَالنَّسَبُ، فَالْأَظْهَرُ: تَقْدِيمُ السِّنِّ ;
لِأَنَّهُ صِفَةٌ فِي نَفْسِهِ، وَالنَّسَبُ صِفَةٌ فِي آبَائِهِ.
***
وَمِنْهَا: لَوْ لَمْ يَجِدْ إلَّا
حُرَّةً، تَطْلُبُ أَكْثَرَ مِنْ مَهْرِ مِثْلِهَا. جَازَ لَهُ نِكَاحُ الْأَمَةِ
عَلَى مَا قَالَهُ الْمُتَوَلِّي، وَوَافَقَهُ آخَرُونَ، وَصَحَّحَهُ فِي
الرَّوْضَةِ مِنْ زَوَائِدِهِ.
***
وَتُعْتَبَرُ الْعَتِيقَةُ بِعَتِيقَةٍ
مِثْلِهَا، وَيُنْظَرُ إلَى شَرَفِ سَيِّدِهَا، وَخِسَّتِهِ، وَيُعْتَبَرُ
الْبَلَدُ، وَالصِّفَاتُ الْمُرَغِّبَةُ: كَالْعِفَّةِ وَالْجَمَالِ، وَالسِّنِّ،
وَالْعَقْلِ، وَالْيَسَارِ، وَالْبَكَارَةِ، وَالْعِلْمِ وَالْفَصَاحَةِ
وَالصَّرَاحَةِ، وَهِيَ شَرَفُ الْأَبَوَيْنِ. وَمَتَى اخْتَصَّتْ بِفَضْلٍ أَوْ
نَقْصٍ، لَيْسَ فِي النِّسْوَةِ الْمُعْتَبَرَاتِ مِثْلُهُ، زِيدَ أَوْ نُقِصَ
بِقَدْرِ مَا يَلِيقُ بِهِ، كَمَا فِي نَظِيرِهِ إذَا كَانَ الْجَنِينُ سَلِيمًا،
وَالْأُمُّ نَاقِصَةً وَيُعْتَبَرُ غَالِبُ عَادَةِ النِّسَاءِ، فَلَوْ سَامَحَتْ
وَاحِدَةٌ لَمْ يَجِبْ مُوَافَقَتُهَا، إلَّا أَنْ يَكُونَ لِنَقْصٍ دَخَلَ فِي
النَّسَبِ، وَفِتْرَةِ الرَّغَبَاتِ.
***
[مَسْأَلَةٌ فِي أَمْثِلَةٍ مِنْ
الدَّوْرِ الْحُكْمِيِّ] وَمِنْهَا: لَوْ دُفِعَ إلَى رَجُلٍ
زَكَاةٌ فَاسْتَغْنَى بِهَا، لَمْ يُسْتَرْجَعْ مِنْهُ لِأَنَّ الِاسْتِرْجَاعَ
مِنْهُ يُوجِبُ دَفْعُهَا ثَانِيًا لِأَنَّهُ يَصِيرُ فَقِيرًا بِالِاسْتِرْجَاعِ.
***
وَزَكَاةُ الْفِطْرِ: يَجُوزُ
تَقْدِيمُهَا مِنْ أَوَّلِ رَمَضَانَ لَا قَبْلَهُ، عَلَى الصَّحِيحِ.
***
[الْقَوْلُ فِي فُرُوضِ الْكِفَايَةِ
وَسُنَنِهَا]
. قَالَ الرَّافِعِيُّ وَغَيْرُهُ:
فُرُوضُ الْكِفَايَةِ أُمُورٌ كُلِّيَّةٌ، تَتَعَلَّقُ بِهَا مَصَالِحُ
دِينِيَّةٌ، أَوْ دُنْيَوِيَّةٌ لَا يَنْتَظِمُ الْأَمْرُ إلَّا بِحُصُولِهَا فَطَلَبَ
الشَّارِعُ تَحْصِيلَهَا لَا تَكْلِيفَ وَاحِدٍ مِنْهَا بِعَيْنِهِ بِخِلَافِ
الْعَيْنِ، وَإِذَا قَامَ بِهِ مَنْ فِيهِ كِفَايَةٌ سَقَطَ الْحَرَجُ عَنْ
الْبَاقِينَ أَوْ أَزْيَدُ عَلَى مَنْ يَسْقُطُ بِهِ، فَالْكُلُّ فَرْضٌ إنْ
تَعَطَّلَ أَثِمَ كُلُّ مَنْ قَدَرَ عَلَيْهِ إنْ عَلِمَ بِهِ، وَكَذَا إنْ لَمْ
يَعْلَمْ إذَا كَانَ قَرِيبًا مِنْهُ يَلِيقُ بِهِ الْبَحْثُ وَالْمُرَاقَبَةُ
وَيَخْتَلِفُ بِكِبَرِ الْبَلَدِ، وَقَدْ يَنْتَهِي خَبَرُهُ إلَى سَائِرِ
الْبِلَادِ، فَيَجِبُ عَلَيْهِمْ وَلِلْقَائِمِ بِهِ مَزِيَّةٌ عَلَى الْقَائِمِ
بِالْعَيْنِ ; لِإِسْقَاطِ الْحَرَجِ عَنْ الْمُسْلِمِينَ بِخِلَافِهِ
***
وَمِنْهَا: الْجَمَاعَةُ فِي
الْأَصَحِّ وَإِنَّمَا تَسْقُطُ بِإِقَامَتِهَا حَيْثُ يَظْهَرُ الشِّعَارُ فِي
الْبَلَدِ فَإِنْ كَانَ صَغِيرًا كَفَى إقَامَتُهَا فِي مَوْضِعٍ وَاحِدٍ وَإِلَّا
فَلَا بُدَّ مِنْ إقَامَتِهَا فِي كُلِّ مَحَلَّةٍ.
***
وَمِنْهَا: دَفْعُ ضَرَرِ
الْمُسْلِمِينَ كَكِسْوَةِ عَارٍ وَإِطْعَامِ جَائِعٍ إذَا لَمْ يَنْدَفِعْ
بِزَكَاةٍ وَبَيْتِ مَالٍ، وَهَلْ يَكْفِي سَدُّ رَمَقٍ أَوْ لَا بُدَّ مِنْ تَمَامِ
الْكِفَايَةِ الَّتِي يَقُومُ بِهَا مَنْ يَلْزَمُهُ نَفَقَتُهُ؟ خِلَافٌ.
قَالَ فِي الْمُهِمَّاتِ: الْأَصَحُّ:
الْأَوَّلُ.
***
وَمِنْهَا إقَامَةُ الْحِرَفِ
وَالصَّنَائِعِ وَمَا تَتِمُّ بِهِ الْمَعَايِشُ كَالْبَيْعِ وَالشِّرَاءِ
وَالْحَرْثِ وَمَا لَا بُدَّ مِنْهُ: حَتَّى الْحِجَامَةِ وَالْكَنْسِ.
***
وَمِنْهَا: تَحْرِيمُهُ عَلَى
الْوَلَدِ إلَّا بِإِذْنِ أَبَوَيْهِ وَيُسْتَثْنَى السَّفَرُ لِحَجِّ الْفَرْضِ
وَلِتَعَلُّمِ الْعِلْمِ وَالتِّجَارَةِ
***
[وَيَخْتَصُّ رُكُوبُ الْبَحْرِ
بِأَحْكَامٍ]
مِنْهَا: تَحْرِيمُهُ وَإِسْقَاطُهُ
الْحَجَّ، حَيْثُ كَانَ الْغَالِبُ الْهَلَاكَ. وَفِي فَتَاوَى الْبَارِزِيَّةِ:
أَنَّهُ لَا يَجُوزُ لِغَيْرِ الْأَبِ وَالْجَدِّ، إرْكَابُ الطِّفْلِ الْبَحْرَ،
وَإِنْ غَلَبَتْ السَّلَامَةُ، وَأَنَّهُ يَجُوزُ لَهُمَا لِوُفُورِ شَفَقَتِهِمَا.
***
[أَحْكَامُ يَوْمِ الْجُمُعَةِ] وَالْجُمُعَةُ وَالْمُنَافِقُونَ فِي
عِشَاءِ لَيْلَتِهِ، وَالْكَافِرُونَ وَالْإِخْلَاصُ فِي مَغْرِبِ لَيْلَتِهِ،
وَكَرَاهَةُ إفْرَادِهِ بِالصَّوْمِ، وَكَرَاهَةُ إفْرَادِ لَيْلَتِهِ
بِالْقِيَامِ، وَقِرَاءَةُ الْكَهْفِ، وَنَفْيُ كَرَاهَةِ النَّافِلَةِ وَقْتَ
الِاسْتِوَاءِ،
***
الكتاب
الخامس: في نظائر الأبواب
وَاعْلَمْ أَنَّ جَمِيعَ شُرُوطِ
الْوُضُوءِ شُرُوطٌ لِلْغُسْلِ
***
فَائِدَةٌ: قَالَ الْبُلْقِينِيُّ:
نَظِيرُ مَسْحِ الْخُفِّ الْمَغْصُوبِ غَسْلُ الرِّجْلِ الْمَعْضُوبَةِ
وَصُورَتُهُ: أَنْ يَجِبَ قَطْعُهَا فَلَا يُمَكِّنَ مِنْ ذَلِكَ.
***
فَائِدَةٌ: الصَّلَوَاتُ الَّتِي
يُسْتَحَبُّ فِيهَا قِرَاءَةُ سُورَةِ الْكَافِرُونَ وَالْإِخْلَاصِ إحْدَى
عَشْرَةَ: سُنَّةُ الْفَجْرِ وَسُنَّةُ الْمَغْرِبِ وَسُنَّةُ الطَّوَافِ
وَأَحَادِيثُهَا عِنْدَ مُسْلِمٍ وَصَرَّحَ بِهَا الْأَصْحَابُ وَصُبْحُ
الْمُسَافِرِ لِحَدِيثٍ رَوَاهُ الطَّبَرَانِيُّ وَصَرَّحَ بِهِ الْجُوَيْنِيُّ
وَالْغَزَالِيُّ وَمَغْرِبُ لَيْلَةِ الْجُمُعَةِ لِحَدِيثٍ رَوَاهُ
الْبَيْهَقِيُّ وَسُنَّةُ الضُّحَى لِحَدِيثٍ رَوَاهُ الْعُقَيْلِيُّ وَسُنَّةُ
الْإِحْرَامِ ذَكَرَهَا النَّوَوِيُّ فِي مَنَاسِكِهِ وَسُنَّةُ الِاسْتِخَارَةِ
ذَكَرَهَا فِي الْأَذْكَارِ وَسُنَّةُ السَّفَرِ ذَكَرَهَا فِي الْأَذْكَارِ
وَالْوِتْرُ لِحَدِيثٍ رَوَاهُ أَبُو دَاوُد وَالتِّرْمِذِيُّ وَسُنَّةُ
الزَّوَالِ ذَكَرَهَا أَبُو حَامِدٍ فِي الرَّوْنَقِ.
***
[الْأَعْذَارِ الْمُرَخِّصَةُ فِي
تَرْكِ الْجَمَاعَةِ نَحْوَ أَرْبَعِينَ]
***
الرَّابِعُ: مَا يُسْتَحَبُّ فِيهِ
التَّتَابُعُ وَهُوَ صَوْمُ كَفَّارَةِ الْيَمِينِ.
***
ضَابِطٌ:
مَا ثَبَتَ فِيهِ خِيَارُ الْمَجْلِسِ،
يَثْبُتُ فِيهِ خِيَارُ الشَّرْطِ إلَّا مَا شُرِطَ فِيهِ الْقَبْضُ وَهُوَ
الرِّبَوِيّ وَالسَّلَمُ وَمَا يُسْرِعُ إلَيْهِ الْفَسَادُ.. إلخ.
بَابٌ:
يَصِحُّ قَبْلَ قَبْضِ الْمَبِيعِ:
إعْتَاقُهُ، وَاسْتِيلَادُهُ، وَوَقْفُهُ، وَقِسْمَتُهُ، وَإِبَاحَتُهُ الطَّعَامَ
لِلْفُقَرَاءِ، وَالْإِقَالَةُ فِيهِ، وَتَزْوِيجُهُ. لَا بَيْعُهُ،
وَكِتَابَتُهُ، وَرَهْنُهُ، وَهِبَتُهُ، وَإِقْرَاضُهُ، وَالتَّصَدُّقُ بِهِ،
وَإِجَارَتُهُ وَجَعْلُهُ أُجْرَةً، أَوْ عِوَضَ صُلْحٍ، وَالتَّوْلِيَةُ ;
وَالْإِشْرَاكُ فِيهِ.
***
وَمِنْهَا: الْمَرْأَةُ تُوَكِّلُ فِي
الطَّلَاقِ فِي الْأَصَحّ وَلَا تُبَاشِرُهُ بِنَفْسِهَا.
***
[بَابُ التَّعْزِيرِ]
قَاعِدَةٌ: مَنْ أَتَى مَعْصِيَةً لَا
حَدَّ فِيهَا وَلَا كَفَّارَةَ، عُزِّرَ. أَوْ فِيهَا أَحَدُهُمَا، فَلَا. وَيُسْتَثْنَى
مِنْ الْأَوَّل صُوَرٌ:
الْأُولَى: ذَوُو الْهَيْئَاتِ فِي
عَثَرَاتِهِمْ. نَصَّ عَلَيْهِ الشَّافِعِيُّ لِلْحَدِيثِ وَحَكَى الْمَاوَرْدِيُّ
فِي ذَوِي الْهَيْئَاتِ وَجْهَيْنِ: أَحَدُهُمَا: أَنَّهُمْ أَصْحَابُ
الصَّغَائِرِ دُونَ الْكَبَائِرِ.
وَالثَّانِي: أَنَّهُمْ الَّذِينَ إذَا
أَتَوْا الذَّنْبَ نَدِمُوا عَلَيْهِ، وَتَابُوا مِنْهُ. وَنَصَّ الشَّافِعِيُّ
عَلَى أَنَّهُمْ الَّذِينَ لَا يُعْرَفُونَ بِالشَّرِّ.
***
قَاعِدَةٌ:
كُلُّ أَمِينٍ: مِنْ مُرْتَهَنٍ،
وَوَكِيلٍ، وَشَرِيكٍ، وَمُقَارِضٍ، وَوَلِيّ مَحْجُورٍ، وَمُلْتَقِطٍ لَمْ
يَتَمَلَّكْ، وَمُلْتَقِطِ لَقِيطٍ، وَمُسْتَأْجَرٍ، وَأَجِيرٍ: وَغَيْرِهِمْ،
يُصَدَّقُ بِالْيَمِينِ فِي التَّلَفِ عَلَى حُكْمِ الْأَمَانَةِ إنْ لَمْ يَذْكُر
سَبَبًا أَوْ ذَكَرَ سَبَبًا خَفِيًّا، فَإِنْ ذَكَرَ سَبَبًا ظَاهِرًا غَيْرَ
مَعْرُوفٍ فَلَا بُدَّ مِنْ إثْبَاتِهِ، أَوْ عُرِفَ عُمُومُهُ لَمْ يُحْتَجْ إلَى
يَمِينٍ، أَوْ عُرِفَ دُونَ عُمُومِهِ صُدِّقَ بِيَمِينِهِ. وَكُلُّ أَمِينٍ
مُصَدَّقٌ فِي دَعْوَى الرَّدِّ عَلَى مَنْ ائْتَمَنَهُ إمَّا جَزْمًا، أَوْ عَلَى
الْمَذْهَبِ، إلَّا الْمُرْتَهِنَ وَالْمُسْتَأْجِرَ.
***
الكتاب
السادس
الثَّالِثُ: يَجُوزُ غَسْلُ الرِّجْلِ
الْمَغْصُوبَةِ بِلَا خِلَافٍ وَفِي الْخُفِّ الْمَغْصُوبِ قَوْلٌ أَنَّهُ لَا
يُمْسَحُ، وَصُورَةُ الرِّجْلِ الْمَغْصُوبَةِ أَنْ يُسْتَحَقَّ قَطْعُ رِجْلِهِ
فَلَا يُمَكِّنُ مِنْهَا ذَكَرَهُ الْبُلْقِينِيُّ
***
السَّابِعُ: أَنَّ التَّضْعِيفَ فِي
حَرَمِ مَكَّةَ لَا يَخْتَصُّ بِالْمَسْجِدِ بَلْ يَعُمُّ جَمِيعَ الْحَرَمِ،
وَفِي الْمَدِينَةِ لَا يَعُمُّ حَرَمَهَا، بَلْ وَلَا الْمَسْجِدَ كُلَّهُ،
وَإِنَّمَا يَخْتَصُّ بِالْمَسْجِدِ الَّذِي كَانَ فِي عَهْدِهِ. صلى الله عليه
وسلم
الثَّامِنُ: صَلَاةُ التَّرَاوِيحِ
لِأَهْلِ الْمَدِينَةِ سِتٌّ وَثَلَاثُونَ رَكْعَةً وَلَيْسَ ذَلِكَ لِأَهْلِ
مَكَّةَ وَلَا غَيْرِهِمْ.
التَّاسِعُ: تُكْرَهُ الْمُجَاوَرَةُ
بِمَكَّةَ وَلَا تُكْرَهُ بِالْمَدِينَةِ بَلْ تُسْتَحَبُّ.
***
[مَا افْتَرَقَ فِيهِ النِّكَاحُ
وَالرَّجْعَةُ]
قَالَ الْبُلْقِينِيُّ الرَّجْعَةُ
تُفَارِقُ عَقْدَ النِّكَاحِ فِي أُمُورٍ: اشْتِرَاطُ كَوْنِهَا فِي الْعِدَّةِ
وَتَصِحُّ بِلَا وَلِيٍّ وَلَا شُهُودٍ وَلَا رِضًى وَبِغَيْرِ لَفْظِ النِّكَاحِ
وَالتَّزْوِيجِ وَفِي الْإِحْرَامِ وَلَا تُوجِبُ مَهْرًا.
***
الكتاب
السابع
وَتَعَيُّنُ الْحَجَرِ فِي قَتْلِ
الزَّانِي الْمُحْصَنِ لِأَنَّ مَقْصُودَهُ التَّمْثِيلُ بِهِ وَالرَّدْعُ عَنْ
هَذِهِ الْفَاحِشَةِ فَلَا يَجُوزُ قَتْلُهُ بِالسَّيْفِ
***
[الصُّوَرُ الَّتِي وَقَعَ فِيهَا
إعْمَالُ الضِّدَّيْنِ]
وَنَظِيرُهُ: مَا ذَكَرَهُ ابْنُ
الْوَكِيلِ: أَنَّهُ لَوْ رَمَى صَيْدًا فَغَابَ ثُمَّ وَجَدَهُ مَيِّتًا فِي
مَاءٍ دُونَ الْقُلَّتَيْنِ حُكِمَ بِحُرْمَةِ الصَّيْدِ وَطَهَارَةُ الْمَاءِ
إعْطَاءٌ لِكُلِّ أَصْلٍ حَقَّهُ قَالَ ابْنُ الْوَكِيلِ: هَكَذَا ذَكَرَهُ
شَارِحُ الْمُقْنِعِ مِنْ الْحَنَابِلَةِ وَهُوَ يُوَافِقُ قَوَاعِدَنَا
***
[قَاعِدَةٌ: تَفْوِيتُ الْحَاصِلِ
مَمْنُوعٌ]
قَاعِدَةٌ:
تَفْوِيتُ الْحَاصِلِ مَمْنُوعٌ
بِخِلَافِ تَحْصِيلِ مَا لَيْسَ بِحَاصِلِ.
وَمِنْ ثَمَّ مَنْ أَرَاقَ مَاءَهُ فِي
الْوَقْتِ سَفَهًا يَأْثَمْ بِالِاتِّفَاقِ وَفِي وُجُوبِ الْإِعَادَةِ إذَا
صَلَّى بِالتَّيَمُّمِ وَجْهَانِ بِخِلَافِ مَنْ اجْتَازَ بِمَاءٍ فِي الْوَقْتِ
فَلَمْ يَتَوَضَّأْ، فَلَمَّا بَعُدَ عَنْهُ صَلَّى بِالتَّيَمُّمِ فَإِنَّهُ لَا
يَأْثَمُ كَمَا أَشْعَرَ بِهِ كَلَامُ الرَّافِعِيِّ وَالْمَذْهَبُ: الْقَطْعُ
بِعَدَمِ الْإِعَادَةِ
وَمَنْ دَخَلَ عَلَيْهِ الْوَقْتُ
وَهُوَ لَابِسُ خُفٍّ بِالشَّرَائِطِ وَمَعَهُ مَا يَكْفِيهِ لَوْ مَسَحَ وَلَا
يَكْفِيهِ لَوْ غَسَلَ وَجَبَ عَلَيْهِ الْمَسْحُ وَيَحْرُمُ نَزْعُ الْخُفِّ
وَالْحَالَة هَذِهِ بِالِاتِّفَاقِ كَمَا ذَكَرَهُ الرُّويَانِيُّ فِي الْبَحْرِ
بِخِلَافِ مَنْ كَانَ غَيْرَ لَابِسٍ وَمَعَهُ خُفٌّ وَقَدْ أَرْهَقَهُ الْحَدَثُ
وَهُوَ مُتَطَهِّرٌ وَمَعَهُ مَاءٌ كَذَلِكَ لَا يَجِبُ عَلَيْهِ اللُّبْسُ
لِيَتَمَسَّحَ كَمَا فِي الشَّرْحِ وَالرَّوْضَةِ.
***
فَائِدَةٌ: اُشْتُرِطَتْ الْجَمَاعَةُ
فِي الْجُمُعَةِ لِأَنَّ لَفْظَهَا يُعْطِي مَعْنَى الِاجْتِمَاعِ وَنَظِيرُهُ:
اشْتِرَاطُ الْقَصْدِ فِي التَّيَمُّمِ لِأَنَّهُ يُنْبِئُ عَنْ الْقَصْدِ،
وَالتَّقَابُضِ فِي الصَّرْفِ لِأَنَّ اللَّفْظَ يَقْتَضِي الِانْصِرَافَ
وَنَظِيرُ ذَلِكَ فِي الْعَرَبِيَّةِ: اشْتِرَاطُ الِانْتِقَالِ فِي الْحَالِ
لِأَنَّ لَفْظَ الْحَالِ مَأْخُوذٌ مِنْ التَّحَوُّلِ، وَالتَّبْيِينِ
وَالْإِيضَاحِ فِي التَّمْيِيزِ لِأَنَّ لَفْظَهُ يَقْتَضِي ذَلِكَ وَمِنْ ثَمَّ
قَالَ الْأَكْثَرُونَ إنَّهُ لَا يَجِيءُ لِلتَّوْكِيدِ.
فَائِدَةٌ:
الْفَقِيرُ وَالْمِسْكِينُ حَيْثُ
أُطْلِقَ أَحَدُهُمَا اشْتَمَلَ الْآخَرَ فَإِذَا ذُكِرَا اخْتَصَّ كُلٌّ
بِمَعْنَاهُ قَالَ الْبُلْقِينِيُّ: وَنَظِيرُ ذَلِكَ الْكَافِرُ وَالْمُشْرِكُ
قُلْت: وَنَظِيرُ ذَلِكَ فِي الْعَرَبِيَّةِ الظَّرْفُ وَالْمَجْرُورُ وَمِنْ
نَظَائِرِ ذَلِكَ أَيْضًا: الْإِيمَانُ وَالْإِسْلَامُ. والحمدالله.